تاريخ طويل من الموت والذعر.. كل ما تحتاج معرفته عن الكوليرا في العراق

بغداد - IQ  

ضرب وباء الكوليرا العالم سبع مرات منذ عام 1816 حتى نهاية عقد السبعينيات من القرن الماضي، فيما استمر بالظهور على شكل موجات تمثل "تهديداً عالمياً"، كما تقول منظمة الصحة العالمية.


يعد مرض الكوليرا من الأمراض المعوية المعدية التي تسببها سلالات جرثوم ضمة الكوليرا، التي كشفها العالم الألماني "روبرت كوخ" عام 1883 في مدينة الإسكندرية.


وتنتقل الجرثومة إلى البشر عن طريق براز المريض أو بولهِ أو قيئه إلى غيرهِ من الناس، أو مع الطعام أو الشراب من مياه ملوثة، حتى إذا وصلت الجرثومة إلى الأمعاء تحدث التهاباً ببطانة الأمعاء ويمتلئ المسلك الهضمي بسائل رقيق مائي.


"عقود الرعب"


في العراق، ارتبط اسم المرض بعقود من الرعب والخسائر البشرية، إذ اجتاح البلاد مرات عدة في فترات الأوبئة السبعة، أولها عام 1821 في الجائحة الأولى، والثانية بين عامي 1852 – 1860 خلال الوباء العالمي الثالث، ثم عاد المرض للظهور في مطلع القرن التاسع عشر وحتى عام 1923 أثناء الجائحة السادسة للكوليرا في واحدة من أعنف الموجات.


وكان يعتقد آنذاك أنّ العدوى قدمت من مدينة بومباي في الهند، حيث اخترق الوباء التحصينات الصحية الصارمة التي فرضت لحماية بغداد، لتسجل العاصمة أول حالة وفاة لجندي فارق الحياة بعد ست ساعات فقط من نقله إلى المستشفى في 14 آب 1899.


استمرت هذه الموجة في بغداد لمد ثلاثين يوماً، ما دفع عدداً كبيراً من سكانها خاصة الأعيان إلى الهروب نحو البلدات المحيطة.


وقدرت مجلة أميركية الخسائر في الأرواح في بغداد للمدة من 20 ـ 30 آب من عام 1889 بين 100 200 حالة وفاة يومياً، إذ حلّ الذعر في المدينة، كما يصف القنصل الروسي حينها، حيث كتب قائلاً: "غالباً ما كنا نسمع بعد الظهر عن جنازة شخص سبق أن رأيناه في الصباح بصحة تامة، ولهذا لا يعجب المرء من الذعر الذي حلّ بالمدينة والذي جعل كل واحد منهم يفكر بالفرار".


الحروب والأزمات


ومع التحسن التدريجي لقطاع الصحة والنهضة الاقتصادية خفت موجات المرض حتى استطاعت الدولة استئصاله على مدى سنوات طويلة، قبلّ أن يظهر مجددًا عام 1991 إثر الحصار والعقوبات الدولية التي فرضت على العراق، ثم الاحتلال الأميركي عام 2003.


وتقول منظمة الصحة العالمية، إنّ "انتقال الكوليرا يرتبط ارتباطاً وثيقاً بعدم كفاية فرص الحصول على المياه النظيفة ومرافق الصرف الصحي".


وتمثل الأحياء الفقيرة ومخيمات النازحين مناطق نموذجية لتفشي المرض، إذ لا يمكن تأمين متطلبات المياه النظيفة والصرف الصحي.


ويربط مختصون عودة البكتيريا بتلوث البيئة الذي تفاقم بدءاً من العمليات العسكرية الأميركية نتيجة عمليات القصف التي استهدفت منشآت للمياه ومعالجة المجاري، ما أدى إلى تدفق مياه الصرف إلى نهر دجلة.


طرق الوقاية.. 

ومع أزمات الجفاف وضعف وسائل معالجة مياه الشرب، وتدهور الخدمات الصحية، وارتفاع درجات الحرارة ظهرت موجات جديدة من المرض بشكل مستمر على مدى الأعوام القليلة الماضية.

ويقول استشاري صحة عامة حسين القزاز لـ IQ NEWS، إنّ "الكوليرا مرض ينتقل بواسطة الماء على الاكثر وتسببه ضمات الكوليرا التي تدخل جسم الانسان عن طريق الطعام والشراب"، مبيناً أنّ "الكوليرا تسبب الإسهال والقيء الشديد وارتفاع درجة الحرارة، ما يسبب جفاف ثم الوفاة في حال عدم تلقي العلاج المناسب".

ويضيف، أنّ "العلاج يعتمد بشكل أساسي على السوائل لتعويض المفقودة منها ومضادات حيوية لقتل البكتيريا"، موضحًا أنّ "فترة الحضانة تتراوح من 7 - 14 يوماً، حيث تظهر على المصابين أعراض متوسطة الشدة، لكنها تتفاقم بشكل خطير في حال عدم مراجعة الطبيب".

وينصح الأخصائي بعدة توصيات للوقاية من الكوليرا، منها: 

-           تلقي اللقاحات الفموية.

-           الاعتناء بالنظافة الشخصية.

- تعقيم مياه الشرب.

- تجنب المياه والسوائل مجهولة المصدر.

- غسل الفواكه والخضار بشكل جيد.

- التثقيف بخطورة المرض.


وفي وقت سابق، أعلنت منظمة الصحة العالمية عن استراتيجية للقضاء على مرض الكوليرا في 20 دولة بحلول عام 2030.


وتركز خارطة الطريق العالمية على ثلاثة محاور استراتيجية:


-الكشف المبكر والاستجابة السريعة لاحتواء الوباء من خلال الكشف المبكر والاستجابة السريعة، بما في ذلك المجتمع المحلي، والمشاركة، وتعزيز قدرات الرصد والمختبرات، والنظم الصحية والاستعداد للإمدادات، ودعم فرق الاستجابة السريعة.


-السيطرة على النقاط الحمراء: وهي المناطق الصغيرة نسبياً الأكثر تضررا من الكوليرا، حيث يمكن وقف انتقال المرض في هذه المناطق من خلال تدابير تشمل تحسين المياه والصرف الصحي والنظافة الصحية.


- الدعم جهود البلدان في مكافحة الكوليرا، والبناء على برامج مكافحة الكوليرا الشاملة لعدة قطاعات وإسنادها بالموارد البشرية والتقنية والمالية.


خطة العراق؟


على مستوى القطاع الصحي العراقي، تعتمد السلطات على خطة سنوية للسيطرة على الإسهال الوبائي، كما تقول عضو الفريق الإعلامي لوزارة الصحة ربى فلاح.


وتبيّن فلاح في حديث لـ IQ NEWS، أنّ "البلاد تسجل أعداداً من الإصابات بالمرض سنوياً، والمؤسسات الصحية جاهزة للتعامل معها، مع توفر جميع المستلزمات الضرورية".


وتشير المتحدثة، إلى أنّ وزارة الصحة تعمل على تطويق المرض من خلال "إرسال فرق إلى المناطق التي تسجل إصابات، فضلاً عن الحالات المشتبه بإصابتها".


وسجل العراق 17 إصابة مؤكدة بالكوليرا، خلال الساعات القليلة الماضية، 10 منها في السليمانية التي شهدت نقل آلاف المصابين بحالات الإسهال والقيء.


فيما يقول المتحدث باسم الوزارة سيف البدر، إلى أنّ "المرض متوطن في الشرق الأوسط"، مبيناً أنّ "آخر موجة وبائية في العراق تعود للعام 2015، وسجل أغلبها في محافظتي بغداد وبابل".


وأعلنت منظمة الصحة العالمية، اليوم، إمداد السلطات الصحية في السليمانية بشحنة من الوسائل اللازمة لاحتواء الكوليرا.

ويقدر عدد ضحايا المرض سنوياً بأكثر من 21 ألف شخص من بين 1.3 مليون مصاب حول العالم.